يُعد تغير المناخ أزمة إنسانية ملحة، حيث يواجه واحد من بين كل خمسة أشخاص حول العالم مخاطر جسيمة ناتجة عن آثار التغيرات المناخية، التي تعتبر أحد أهم الأخطار التي تواجه البشرية في الوقت الراهن.
وتُعدّ اليمن من أكثر دول العالم تعرّضاً لتداعيات تغير المناخ، وبحسب تقارير رسمية، فإن اليمن يحتل المرتبة 30 بين الدول الأكثر ضعفاً، والمرتبة 17 بين الدول الأقل قدرة على مواجهة آثار تغير المناخ. وتبرز هذه التداعيات بوضوح في الجفاف وارتفاع درجة الحرارة والأعاصير وانجراف الأراضي والتصحر وتفشي الأمراض، والتغيرات في أنماط هطول الأمطار.
ومع تغير المناخ، توقع تقرير سابق لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن يفقد اليمن تراكميا ثلاثة وتسعين مليار دولار في ناتجه المحلي الإجمالي، بحلول عام 2060م، وأن يعاني ثلاثة مليون وثمانمائة ألف شخص إضافي من سوء التغذية، كما أنه من المتوقع أن يكون تغير المناخ سبباً في وفاة أكثر من مائة وواحد وعشرين ألف شخص.
تأخذ المنظمات الإنسانية مخاطر تغير المناخ مأخذ الجد، ومن هذه المنظمات جمعية الوصول الإنساني، التي تركز على بناء القدرة على الصمود في وجه الصدمات المناخية، وتعمل على تحسين قدرة الناس على التكيف مع تغير المناخ في اليمن، الذي يتلقى صدمات مناخية عالية.
وفي تصريح صحفي، أكد الأستاذ يحيى حسن الدباء، رئيس الوصول الإنساني، أن قضية تغير المناخ أصبحت أكثر إلحاحاً، مؤكدا أن الجمعية تساهم في مواجهة التغيرات المناخية في اليمن، من خلال برامج وأنشطة متنوعة، تأخذ في الاعتبار المخاطر المناخية الراهنة والمستقبلية.
وقال رئيس الوصول الإنساني، إن الجمعية تتصدى لما تفرزه الصدمات المناخية من اتساع رقعة الفقر والجوع وفقدان سبل كسب العيش، داعيا إلى توفير التمويل اللازم للتكيف مع الآثار الناتجة عن التغيرات المناخية في اليمن.
وأوضح الأستاذ الدباء، أن سنوات الصراع في البلد دمرت قدرة الدولة والمجتمعات على الصمود، وهناك حاجة لدعم برامج التكيف مع التغيرات المناخية، وتمكين الناس من الحفاظ على صحتهم وتعليمهم وإنتاجيتهم ووظائفهم، خصوصا وأن اليمن يعصف به أزمات عميقة تتقاطع مع أزمة المناخ العالمية.
تعمل الوصول الإنساني، مع المانحين والشركاء، لتعزيز قدرة الأفراد والمجتمعات على التكيف مع الصدمات المناخية والتعافي منها، من خلال مجالات رئيسة:
1- دعم الأمن الغذائي
عندما تدمر الكوارث المناخية الأراضي الزراعية وتهدد مصايد الأسماك الساحلية، فإن إنتاج الغذاء يعاني. وبحسب منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، فإن تغير المناخ في اليمن يدفع انعدام الأمن الغذائي والجوع إلى مستويات مقلقة.
والوصول الإنساني تعمل على تنفيذ برامج ومشاريع متخصصة بالأمن الغذائي، من بينها توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية للأسر الأشد ضعفا، ودعم المشاريع الزراعية والحيوانية، وتقديم المساعدات النقدية المباشرة لمساعدة المحتاجين في تأمين احتياجاتهم الغذائية.

2- تحسين سبل العيش
أزمة المناخ تهدد سبل العيش، بسبب الارتفاع السريع في درجات الحرارة والجفاف والفيضانات، وتظهر تحليلات البنك الدولي أن تغير المناخ له تأثير كبير وغير متناسب على الفقر والفرص الاقتصادية، لاسيما بالنسبة لأشد أفراد المجتمع ضعفا.
وتعمل الوصول الإنساني على تعزيز سبل العيش المستدامة للمجتمعات المتضررة، وتساهم في تحسين سبل العيش والمعيشة للفئات الضعيفة، من خلال تأهيل وتمكين الأفراد اقتصاديا، وتوفير مشاريع مدرة للدخل، وتوسيع نطاق الفرص الاقتصادية، ومساندة المشروعات متناهية الصغر والصغيرة، والاستثمار في رأس المال البشري، كأحد أكثر الأدوات فعالية لبناء القدرة على التكيف والصمود في وجه تغير المناخ.

3- تعزيز النظم الصحية
يعتبر تغير المناخ حالة صحية طارئة، وفقا لمنظمة الصحة العالمية، تؤثر على النظم الصحية، وتساهم في انتشار الأمراض، وعلى سبيل المثال، فالحرارة الشديدة تزيد من عمليات الذهاب إلى المستشفى أثناء الحمل وسوء التغذية في مرحلة الطفولة المبكرة، ويمكن للاستثمارات في الصحة أن تحمي الناس من الصدمات المناخية.
وفي هذا الصدد، تعمل الوصول الإنساني على تعزيز قدرات النظام الطبي بشكل مستدام، وتعزيز منظومة الرعاية الصحية، ومعالجة سوء التغذية، ومواجهة تفشي الأمراض والأوبئة، وتأمين الأدوية والمستلزمات الطبية، وأخرى تساهم بفاعلية في إيجاد حلول للتحديات المرتبطة بتقاطع قضايا المناخ والصحة.
4- تعزيز الحماية للفئات الضعيفة
تغير المناخ يؤدي بشكل متزايد إلى نزوح الناس، ويرفع معدلات المخاطر الاجتماعية، ومعدلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، والعبء الأكبر يقع على أكثر فئات المجتمع ضعفاً، بما في ذلك النساء والأطفال والشباب والأيتام، والنازحون، والمجتمعات المضيفة المجهدة.
ولهذا تولي الوصول الإنساني هذه الفئات اهتماما خاصا، خصوصا في مخيمات النزوح المنتشرة في اليمن، وتعمل الجمعية للحد من المخاطر التي تواجه النساء والفتيات، وتدعم وصولهن إلى الخدمات والموارد للتكيف مع آثار تغير المناخ، عبر مساحات آمنة، وتدعم الطفولة من خلال مساحات خاصة، ولديها قطاع خاص معني بكفالة ورعاية الأيتام، وغيرها من التدخلات الهامة.

5- تحسين الوصول إلى المياه
ينتج عن تغير المناخ ندرة في هطول الأمطار وزيادة انتشار موجات الجفاف، واليمن يعاني من قلة الموارد المائية، ويحتل المرتبة الـ 20 بين الدول التي تعاني من إجهاد مائي مرتفع، ونصيب الفرد من المياه في اليمن بات أقل من 80 متر مكعب سنوياً، بحسب تقارير رسمية.
ولذلك تعمل الوصول الإنساني على تقديم حلول مستدامة للتحديات المتعلقة بالمياه، ولها دور مؤثر في إتاحة مياه الشرب المأمونة، من خلال حفر وصيانة آبار المياه، وتركيب وصيانة مضخات المياه وأنظمة الطاقة الشمسية، وإنشاء وصيانة شبكات المياه، وإنشاء وتأهيل خزانات المياه، وتمتد تدخلات الجمعية إلى نقل وتوزيع المياه بالشاحنات "الصهاريج المتنقلة"، وتحسين الوصول إلى خدمات الصرف الصحي، وتعزيز سلوكيات النظافة الصحية لدى الأفراد والمجتمعات.

6- الاستجابة الطارئة ومواد الإيواء
هناك تأثيرات جسيمة للمناخ، وتبعات قاسية في المأوى، ويتعرض الفقراء على وجه الخصوص لمخاطر أكبر، لأنهم غالبا ما يعيشون في مساكن متدنية الجودة، ولديهم مدخرات منخفضة أو معدومة، ويفتقرون إلى أنظمة الدعم.
والوصول الإنساني تقدم مساعدات طارئة أثناء الكوارث الطبيعية، وتستجيب بسرعة للاحتياجات الطارئة للمتضررين، وتساهم في تأمين المأوى للأسر المتضررة والنازحة، مما يحميها من تقلبات الطقس الناتجة عن تغير المناخ، وهو ما يعكس إيمان الجمعية الكامل بأن الاستثمار في المناخ هو استثمار في المستقبل.
ولا تقتصر تدخلات الوصول الإنساني على هذه المجالات، بل تمتد لتشمل تعزيز البنية التحتية القادرة على الصمود في وجه تغير المناخ، وتشجيع استخدام الطاقة النظيفة، مثل الطاقة الشمسية، لخفض الانبعاثات، والمساهمة في الحفاظ على البيئة.
يؤثر تغير المناخ بشكل غير متناسب على الفئات الأشد فقرا والأكثر ضعفا، ومنهم الأيتام، الذين يجدون أنفسهم محاصرين في أزمات عديدة، وفي مقدمتها تدهور الاقتصاد اليمني الذي طاوله تأثيرات التغيرات المناخية.
أسرة سالم، المكونة من 7 أفراد، ظلت لسنوات تعاني جراء فقدان المعيل، في ظل متغيرات مناخية قاسية ساهمت في تعطيل سبل العيش، وكما قال أسامة سالم – 21 عامًا – وهو يصف هذه المعاناة: "واجهنا تحديات لا تحصى في سبيل توفير لقمة العيش في ظل ظروف قاسية للغاية".
لكن هذه المعاناة تلاشت بشكل كبير بفضل برنامج صندوق الأسر المنتجة للأيتام، الذي نفذته الوصول الإنساني، في عدد من المحافظات اليمنية، بالشراكة مع الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، حيث قام البرنامج بمنح أسامة، مشروعًا نوعيًا، تمثل في زراعة البطيخ، من خلال توفير شبكة ري لمزرعة الأسرة، مع البذور والسماد ومستلزمات الزراعة.
وهذا المشروع الحيوي يحمل أهمية خاصة، كون قطاع الزراعة يعتبر المشغل للأيدي العاملة في اليمن، والمصدر الرئيس للغذاء، كما أن انعدام الأمن الغذائي من التحديات الرئيسة التي يواجهها اليمنيون، ومن شأن هذا المشروع تعزيز الأمن الغذائي باعتباره حجر الزاوية للتنمية المستدامة، والمساهمة في دعم التكيف مع آثار تغير المناخ.
وفي المزرعة الخصبة الواقعة في محافظة شبوة، يقوم حاليا أسامة، بزراعة البطيخ، وحصاده كل أربعة أشهر، وبيع المحصول في الأسواق المحلية، والحصول على دخل مادي جيد، يسهم في تمكين الأسرة من التغلب على الصعوبات المعيشية والاقتصادية، وفي زيادة الإنتاج الزراعي.
والأهم هو تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على تحقيق الاكتفاء الذاتي، والصمود أمام تغير المناخ، وهو ما يؤكده أسامة، بالقول: "شعرنا بفارق كبير في الحياة، فرحتي لا توصف بهذا المشروع المزدهر، اعتمد على الزراعة لتلبية الاحتياجات المعيشية الأساسية للأسرة، وأفكر الآن بالتوسع في الإنتاج، وأطمح للريادة".
