لا ترتبط أزمة الغذاء في اليمن بنقص المواد الغذائية وحده، بل تتداخل فيها القدرة الشرائية وتراجع الدخل وتضرر الإنتاج الزراعي واضطراب سبل العيش، مما يجعل تحقيق الأمن الغذائي تحديًا اقتصاديًا وإنسانيًا وتنمويًا في آن واحد.
يمثل الحصول على الغذاء الكافي والآمن والمغذي أحد أهم الاحتياجات الأساسية للإنسان. لكن ملايين اليمنيين يواجهون صعوبات مستمرة في تأمين وجباتهم اليومية، رغم وجود المواد الغذائية في كثير من الأسواق.
ويعكس هذا الواقع طبيعة الأزمة الغذائية في اليمن، حيث لا تقتصر المشكلة على توافر الغذاء، بل تشمل القدرة على الحصول عليه بصورة منتظمة ومستدامة.
يتحقق الأمن الغذائي عندما تتوافر لجميع الناس، في جميع الأوقات، إمكانية الحصول المادي والاقتصادي على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ يلبي احتياجاتهم الغذائية.
ويرتكز المفهوم على أربعة عناصر مترابطة: توافر الغذاء، وإمكانية الوصول إليه، والاستفادة الغذائية والصحية منه، واستقرار هذه العناصر بمرور الوقت.
وقد يتوافر الغذاء في السوق، لكن الأسرة لا تستطيع شراءه. وقد تحصل الأسرة على كمية كافية من الطعام، دون أن يكون متنوعًا أو ملائمًا للاحتياجات الغذائية لأفرادها.
تشير خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لعام 2026 إلى أن نحو 18.3 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في اليمن.
كما أظهر تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، الذي أوردته منظمة الأغذية والزراعة، توقع مواجهة نحو 5.4 مليون شخص مستويات الأزمة أو أسوأ في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية والمشمولة بالتحليل خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026.
ولا تمثل هذه التقديرات الأخيرة جميع سكان اليمن، بل المناطق والفترة التي شملها التحليل.
تتداخل عدة عوامل في تفاقم الأزمة الغذائية، أبرزها:
وتؤدي هذه العوامل إلى اضطرار بعض الأسر لتقليل عدد الوجبات أو تنوع الغذاء، أو اللجوء إلى الديون وبيع الأصول الأساسية لتغطية احتياجاتها.
تظل المساعدات الغذائية والنقدية ضرورة عاجلة للأسر التي تعجز عن تلبية احتياجاتها الأساسية، وخاصة النازحين والأطفال والنساء والفئات الأشد ضعفًا.
وتساعد هذه التدخلات على الحد من الجوع وحماية الأسر من آليات التكيف الضارة، لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة العوامل الاقتصادية التي تؤدي إلى تكرار الاحتياج.
يمكن لتعزيز الزراعة المحلية ودعم صغار المنتجين وتوفير فرص العمل والمشاريع الصغيرة أن يسهم في تحسين قدرة الأسر على تأمين غذائها بصورة مستقرة.
وتشمل التدخلات الممكنة دعم البذور والأدوات الزراعية، وتحسين الري، وتأهيل الأراضي، وتعزيز الثروة الحيوانية، ودعم المشاريع المدرة للدخل والتدريب المهني.
كما يؤدي تمكين الأسر اقتصاديًا إلى تحسين قدرتها على شراء الغذاء والوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية.
لا يمكن فصل الأمن الغذائي عن الصحة والمياه والتغذية والتعليم. فالأطفال الذين يفتقرون إلى الغذاء المتوازن يصبحون أكثر عرضة لمشكلات سوء التغذية، بينما تحد الأمراض المتكررة من قدرة الجسم على الاستفادة من العناصر الغذائية.
ولهذا تحتاج معالجة الجوع إلى استجابة متكاملة تعالج الاحتياج الغذائي المباشر، وتدعم قدرة الأسرة على الإنتاج والكسب.
يعد الجمع بين المساعدات الطارئة والتنمية الزراعية وسبل العيش أحد المسارات الأساسية للحد من هشاشة الأسر اليمنية.
وفي هذا السياق، يشكل الأمن الغذائي وسبل العيش مجالين مترابطين في العمل الإنساني والتنموي، ومن المجالات التي تعمل فيها جمعية الوصول الإنساني للشراكة والتنمية.
إن مواجهة الجوع لا تعني فقط توفير وجبة اليوم، بل المساهمة في بناء قدرة الأسرة على توفير غذاء الغد.
