اليمن أمام أزمة إنسانية ممتدة تتداخل فيها آثار النزاع والتدهور الاقتصادي والنزوح وانعدام الأمن الغذائي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى استجابات تجمع بين إنقاذ الأرواح وتعزيز قدرة المجتمعات على التعافي.
بعد أكثر من عقد من الأزمة، لا تزال ملايين الأسر اليمنية تواجه صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والمياه الآمنة والخدمات الصحية والتعليم وفرص كسب العيش. ومع تراجع الموارد وتكرار الصدمات، باتت الاحتياجات الإنسانية أكثر تعقيدًا، ولم يعد تقديم المساعدة الطارئة وحده كافيًا لمعالجة أسباب الضعف المتراكمة.
وفقًا لخطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026 الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تشير التقديرات إلى:
وتكشف هذه المؤشرات عن أزمة متعددة الأبعاد، تتجاوز نقص الموارد الأساسية لتشمل تراجع الخدمات وتآكل مصادر الدخل وتزايد المخاطر التي تواجه الفئات الأكثر ضعفًا.
يشكل انعدام الأمن الغذائي أحد أكثر التحديات إلحاحًا في اليمن. فحتى عندما تتوافر المواد الغذائية في الأسواق، قد تعجز الأسر عن شرائها بسبب ضعف الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع فرص العمل.
وتتفاقم هذه التحديات في المجتمعات التي تعتمد على الزراعة والعمل اليومي أو مصادر الدخل غير المستقرة، حيث تؤدي الأزمات الاقتصادية والمناخية إلى تقليص قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها.
لا يعني النزوح فقدان المنزل فحسب، بل قد يصاحبه فقدان العمل والتعليم وشبكات الدعم الاجتماعي. كما تتعرض المجتمعات المستضيفة لضغوط إضافية على المياه والصحة والسكن والخدمات الأساسية.
وتحتاج الأسر النازحة إلى استجابات تراعي احتياجاتها المتعددة، بما في ذلك المأوى والحماية والغذاء والرعاية الصحية وفرص استعادة سبل العيش.
ترتبط الأزمات الصحية في اليمن بعوامل متداخلة تشمل ضعف البنية التحتية الصحية وصعوبة الوصول إلى الخدمات ونقص المياه الآمنة وسوء التغذية.
وتشير بيانات خطة الاستجابة لعام 2026 إلى أن نحو 59.3% من المرافق الصحية تعمل بكامل طاقتها، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه تقديم الخدمات الصحية الأساسية.
ويزيد ضعف خدمات المياه والإصحاح البيئي من مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، ويضاعف الأعباء الصحية على الأطفال والنساء والأسر محدودة الدخل.
تظل المساعدات الإنسانية العاجلة ضرورة لإنقاذ الأرواح، غير أن تقليل الاحتياجات على المدى الطويل يتطلب أيضًا دعم مصادر الدخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتمكين المجتمعات المحلية من مواجهة الصدمات.
ومن هنا تتزايد أهمية الربط بين العمل الإنساني والتنموي، والاستثمار في التعليم والصحة والمياه والزراعة وسبل العيش، بما يعزز قدرة الأسر على الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على المساعدات إلى الاستقرار والإنتاج.
تمثل المنظمات الإنسانية اليمنية شريكًا مهمًا في الاستجابة، بالنظر إلى معرفتها بالسياقات المجتمعية وقدرتها على التواصل مع السكان وتحديد أولوياتهم.
وتعمل جمعية الوصول الإنساني للشراكة والتنمية HUMAN ACCESS في مجالات إنسانية وتنموية تشمل الأمن الغذائي، والصحة والتغذية، والمياه والإصحاح البيئي، والتعليم، وسبل العيش، والحماية والإيواء.
وتنسجم هذه المجالات مع الحاجة إلى استجابات متكاملة تراعي الاحتياجات العاجلة، وتدعم في الوقت نفسه مقومات التعافي والاستدامة.
إن مواجهة الأزمة الإنسانية في اليمن تتطلب استمرار التمويل الإنساني، وحماية المدنيين، وضمان الوصول الآمن للمساعدات، ودعم الخدمات العامة، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في تحديد احتياجاتها.
فوراء كل رقم إنساني أسرة تبحث عن الأمان، وطفل يحتاج إلى التعليم، ومريض ينتظر الرعاية، ومجتمع يتطلع إلى استعادة حياته الطبيعية.
ويبقى الاستثمار في الإنسان وقدرته على الصمود والتعافي أحد أهم المسارات نحو مستقبل أكثر استقرارًا لليمن.
