تتجاوز أزمة المياه في اليمن مسألة الحصول على مياه الشرب، إذ تمتد آثارها إلى الصحة العامة والأمن الغذائي والتعليم وسبل العيش، وتزداد حدتها مع تغير المناخ وتضرر البنية التحتية والنزوح السكاني.
المياه أساس الحياة، لكن الوصول إلى مياه آمنة وكافية لا يزال تحديًا يوميًا لملايين السكان في اليمن، خصوصًا في المناطق الريفية والتجمعات السكانية المتضررة من النزاع ومواقع النزوح.
وقد حولت سنوات الأزمة نقص المياه من تحدٍ خدمي وبيئي إلى قضية إنسانية تؤثر بصورة مباشرة على صحة الأسر واستقرارها الاقتصادي والاجتماعي.
بحسب خطة الاحتياجات والاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026، يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى مساعدات في مجالات المياه والإصحاح البيئي والنظافة.
وتعكس هذه الاحتياجات الضغوط التي تواجه شبكات المياه وخدمات الصرف الصحي، إضافة إلى التحديات الناتجة عن نقص الموارد وتضرر المنشآت وعدم انتظام تشغيل الخدمات.
تتداخل عدة عوامل في أزمة المياه، من أبرزها:
وفي المناطق التي تعتمد على شراء المياه المنقولة، قد تتحول كلفة المياه إلى عبء مالي كبير على الأسر ذات الدخل المحدود.
يرتبط نقص المياه الآمنة وضعف خدمات الصرف الصحي بارتفاع مخاطر الأمراض المنقولة بالمياه، ومنها الكوليرا والإسهالات المائية الحادة.
وتشير منظمة الصحة العالمية في نداء الطوارئ الخاص باليمن لعام 2026 إلى استمرار التحديات الصحية المرتبطة بالكوليرا وأمراض معدية أخرى.
وتكون المخاطر أكبر على الأطفال الصغار والنساء الحوامل والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة أو سوء التغذية.
كما يؤثر تكرار الأمراض على قدرة الأطفال على الاستفادة من الغذاء، مما يبرز العلاقة الوثيقة بين المياه والصحة والتغذية.
في بعض المجتمعات، تضطر النساء والفتيات إلى قضاء وقت طويل في جلب المياه، وقد يترتب على ذلك أعباء جسدية ومخاطر حماية، إلى جانب تقليص الوقت المتاح للتعليم والعمل والأنشطة اليومية.
ويصبح الحصول على المياه تحديًا أكبر بالنسبة للأسر النازحة، خاصة عندما تقيم في مواقع تفتقر إلى شبكات مستقرة وخدمات كافية.
تؤثر موجات الجفاف والسيول والتغيرات في أنماط هطول الأمطار على موارد المياه والزراعة والبنية التحتية المحلية.
وقد تتسبب السيول في تلويث مصادر المياه أو الإضرار بالشبكات، بينما يؤدي الجفاف إلى انخفاض توافر المياه وارتفاع تكاليف الحصول عليها.
لذلك لا تقتصر الاستجابة الفعالة على توفير المياه في حالات الطوارئ، بل تتطلب تحسين إدارة الموارد وتقوية قدرة المجتمعات على التكيف مع المخاطر المناخية.
تشمل الحلول الممكنة إعادة تأهيل شبكات المياه، وحماية المصادر، وتحسين أنظمة الضخ، واستخدام الطاقة الشمسية حيثما يكون ذلك مناسبًا، ودعم حصاد مياه الأمطار، وتعزيز التوعية الصحية والنظافة المجتمعية.
كما أن تطوير خدمات الصرف الصحي وإدارة المياه بصورة أكثر كفاءة يسهم في حماية الصحة العامة وتقليل الأعباء الاقتصادية.
وقد أكد إطار الشراكة القطري للبنك الدولي لليمن 2026–2030 أهمية الاستثمار في تحسين إدارة المياه والري والبنية التحتية المرتبطة بها.
يمثل قطاع المياه والإصحاح البيئي أحد المجالات الأساسية في العمل الإنساني والتنموي، ومن مجالات عمل جمعية الوصول الإنساني للشراكة والتنمية.
فحين تصل المياه الآمنة إلى المجتمع، لا يتحقق تحسن صحي فقط، بل تتعزز فرص التعليم والإنتاج والاستقرار.
إن توفير المياه الآمنة ليس خدمة أساسية فحسب، بل استثمار في صحة الإنسان وكرامته ومستقبل مجتمعه.
