مع استمرار الأزمة الإنسانية والاقتصادية في اليمن، تبرز سبل العيش بوصفها أحد أهم المسارات التي تساعد الأسر على تجاوز الاعتماد المتكرر على المساعدات، واستعادة قدرتها على الإنتاج وتحقيق دخل أكثر استقرارًا.
تؤدي المساعدات الإنسانية دورًا أساسيًا في إنقاذ الأرواح والتخفيف من المعاناة، خصوصًا أثناء الأزمات الطارئة. لكن الأسر التي فقدت مصادر دخلها تحتاج إلى أكثر من الدعم المؤقت لتتمكن من استعادة استقرارها.
وهنا تبرز أهمية مشاريع سبل العيش والتمكين الاقتصادي، باعتبارها حلقة وصل بين الاستجابة الإنسانية والتعافي والتنمية المستدامة.
تشير سبل العيش إلى القدرات والموارد والأنشطة التي يعتمد عليها الإنسان لتأمين متطلبات حياته.
وقد تشمل الزراعة وتربية المواشي والصيد البحري والحرف والمهن والخدمات والمشاريع الصغيرة والعمل المأجور.
وتصبح سبل العيش مستدامة عندما تستطيع الأسر المحافظة على مصادر دخلها والتعامل مع الصدمات دون استنزاف أصولها أو تعريض مستقبلها للخطر.
أدت سنوات النزاع والتدهور الاقتصادي في اليمن إلى فقدان كثير من الأسر فرص العمل والأصول الإنتاجية، وتراجع القدرة الشرائية، وضعف الخدمات الضرورية لممارسة الأنشطة الاقتصادية.
كما تأثرت الزراعة والصيد والمشاريع الصغيرة بارتفاع تكاليف التشغيل وصعوبة الوصول إلى التمويل والأسواق وتحديات المياه والطاقة.
وأصبحت بعض الأسر تعتمد على أعمال مؤقتة أو دخول غير منتظمة لا تكفي لتلبية احتياجاتها الأساسية.
تستجيب المساعدات الإنسانية للاحتياجات العاجلة، مثل توفير الغذاء والمأوى والرعاية الصحية والمساعدات النقدية.
أما مشاريع سبل العيش فتهدف إلى تعزيز قدرة الأسرة على توفير احتياجاتها عبر أنشطة اقتصادية منتجة.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن المساعدات الطارئة، بل الجمع بين النوعين من التدخلات وفق ظروف الأسر واحتياجاتها وقدرتها على العمل.
فقد تحتاج الأسرة أولًا إلى دعم غذائي ونقدي عاجل، ثم إلى التدريب أو الأدوات أو رأس المال أو الوصول إلى الأسواق لاستعادة مصدر دخلها.
تتنوع التدخلات بحسب طبيعة المجتمع وموارده وفرص السوق، ومن أهمها:
وتتطلب فعالية هذه التدخلات تقييمًا مسبقًا للاحتياجات والمهارات والجدوى الاقتصادية، حتى لا تتحول المشاريع إلى أنشطة مؤقتة يصعب استمرارها.
أطلق البنك الدولي في يونيو 2026 إطار الشراكة القطرية لليمن للسنوات المالية 2026–2030، الذي يركز على تحسين التغذية وتوسيع الوصول إلى الكهرباء وتعزيز الزراعة والأعمال الزراعية والثروة السمكية، مع الاهتمام بمشاركة النساء والقطاع الخاص.
ويعكس هذا التوجه أهمية الانتقال التدريجي من التركيز على الاحتياجات الآنية وحدها إلى معالجة العوامل التي تقيد الإنتاج وفرص العمل.
كما أظهر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في استجابته للتعافي السريع لعام 2026 أهمية العمل المؤقت مدفوع الأجر وإعادة تأهيل الأصول المجتمعية في المناطق المتضررة.
لا يكفي قياس عدد المستفيدين الذين حصلوا على تدريب أو أدوات إنتاجية، بل ينبغي متابعة النتائج الفعلية، مثل:
وتساعد هذه المؤشرات على فهم الأثر الحقيقي للتدخلات وتحسين تصميم المشاريع المستقبلية.
يشكل دعم سبل العيش إحدى الركائز المهمة لربط العمل الإنساني بالتنموي، وهو من مجالات عمل جمعية الوصول الإنساني للشراكة والتنمية.
إن مساعدة الأسرة على تجاوز الجوع اليوم أمر بالغ الأهمية، لكن تمكينها من استعادة عملها وإنتاجها ودخلها يمثل خطوة إضافية نحو الاستقرار والاستدامة.
فالتعافي الحقيقي لا يقاس فقط بحجم ما يقدم من مساعدات، بل بما يستعيده الإنسان من قدرة على العمل والاعتماد على الذات وصناعة مستقبله.
